ابن ميثم البحراني
286
شرح نهج البلاغة
كانوا يعدّونها لإفطارهم وربّما آثروا بها السائلين وطووا . روى أنّهم فعلوا ذلك ثلاث ليال طووا في أيّامها حتّى كان ذلك سبب نزول سورة هل أتى في حقّهم كما هو المشهور في التفاسير ، وأمّا قوله : وعرضت عليه فأبى أن يقبلها فكما روى [ ورد خ ] عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : عرضت عليّ كنوز الأرض ورفعت إليّ مفاتيح خزائنها فكرهتها واخترت الدار الآخرة . الإشارة إلى أن الدنيا لأولياءه دارا لحقارتها بالقياس إلى ما أعده لهم في الآخرة وقوله : وعلم أنّ اللَّه أبغض شيئا . إلى قوله : فصغّر . فبغض اللَّه لها عدم إرادتها لأوليائه دارا ، أو إشارة إلى أنّها مقصود وجودها بالعرض وتحقيرها وتصغيرها بالقياس إلى ما أعدّ لهم في الآخرة . ثمّ نفرّ عن محبّتها بعد أن أشار إلى بغض اللَّه لها وتصغيره إيّاها بجملة اعتراضيّة يتلخّص منها قياس هكذا : أقلّ معايبنا محبّتنا لما أبغض اللَّه وتعظيمنا لما صغّر وكلّ محبّة وتعظيم كذلك فكفى به شقاقا له ومحادّة عن أمره . فينتج أنّ أقلّ ما فينا من المعايب يكفينا في مشاقّة اللَّه ومحادّته . ثمّ أردف ذلك بتمام أوصافه في ترك الدنيا والتكلَّف لها . فقوله : ولقد كان صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد . كما روى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : إنّما أنا عبد آكل أكل العبيد ، وأجلس جلسة العبيد . وغاية ذلك هو التواضع ، وكذلك غاية خصف نعله بيده وترقيع ثوبه بيده وركوبه للحمار العاري وإردافه خلفه ، وأمّا أمره بتغييب التصاوير فمحافظة من حركة الوسواس الخنّاس ، وكما أنّ الأنبياء عليهم السّلام كانوا كاسرين للنفس الأمّارة بالسوء وقاهرين لشياطينهم كانوا أيضا محتاجين إلى مراعاتهم ومراقبتهم وتفقّد أحوال نفوسهم في كلّ لحظة وطرفة فإنّها كاللصوص المخادعين للنفوس المطمئنّة ، مهما تركت وغفل عن قهرها والتحفّظ منها عادت إلى طباعها . وقوله : فأعرض عن الدنيا بقلبه . إلى قوله : وأن يذكر عنده . إشارة إلى الزهد الحقيقيّ وهو حذف الموانع الداخلة النفسيّة عن النفس . وما قبله من الأوصاف إشارة إلى زهده الظاهريّ وهو حذف الموانع الخارجيّة عنه . ثمّ عاد إلى التذكير بالمقدّمة السابقة للدليل على حقارة الدنيا وخبثها فأعاد ذكر